فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل
{وَمَا تَعْبُدُونَ ..} [الأنبياء: 98] فـ (ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.
وتأمل كلمة {ضِيزَى} [النجم: 22] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.
فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم:
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ..} [آل عمران: 35] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث.
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ..} [آل عمران: 36] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.
فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.
لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ..} [التحريم: 10] وقال:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ..} [التحريم: 11] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.
فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.
أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ ..} [التحريم: 12] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.
ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية
{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}