إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.
ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم: 19 - 20] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.
فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا:
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ..} [الزمر: 3] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحّكون في الله.
وقوله تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} [النجم: 21] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.
والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.
فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 22] جائرة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.
والحق سبحانه يرد عليهم:
{وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] . وقال:
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ..} [الأنبياء: 98] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.
فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا:
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ..} [الزمر: 3] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم:
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ..} [الأنبياء: 98] .