[الكهف: 13] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون.
فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.
وأحبُّ أنْ أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.
وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.
وآخرون مُحبُّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.
ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.
والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول:
{إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 4 - 5] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.
إذن: فقوله تعالى بعدها:
{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.
بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت:
{مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.
كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى:
{فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] .
إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟
نفهم من ذلك أن
{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى}