فكيف إذا باشر عبادة التلاوة؟؟! والأصل القطعي - كتاباً وسنة - أن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها (1) ، وهو يبطل أن تجدد له سيئاته إذا جاء بحسنة تلاوة القرآن.
وأما قول أنس رضي الله عنه:
«رُبَّ تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآَنُ يَلْعَنُهُ» ، فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته. وكيف وتلاوته عبادة؟! وإنما معناه: أنه ربما تكون له مخالفة لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من كذب أو ظلم مثلًا، فيكون داخلًا في عموم لعنه للظالمين والكاذبين، فخرج هذا الكلام مخرج التقبيح لمخالفة القرآن مع تلاوته، بعثا للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن، وتعجيل المتاب، لا مخرج الأمر بترك التلاوة والانصراف عنها.
هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل عليه بحكم الأدلة المتقدمة.
وثبت في الصحيح قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه"وهذا في المتعبد بالصيام الذي يوقع الزور والعمل به في وقت صيامه؛ فيكون متلبساً بالعبادة والمخالفة في وقت واحد."
ومع هذا فقد قال الشراح في معنى الحديث - والعبارة للقسطلاني (3) :
«وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور. فهو كقوله عليه الصلاة والسلام: «من باع الخمر فليشقص (4) الخنازير» ولم يأمره بشقصها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر. وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به، ليتم له أجر صيامه».
فمن باب أحرى وأولى ألا يكون قول أنس رضي الله عنه، محمولاً على طلب ترك التلاوة من
المذنب، لأنه غير مباشر لذنبه في حال تلاوته، وإنما المقصود تحذيره من الاستمرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته.
هذا حظ العلم في الاستدلال على حاجة المذنبين إلى تلاوة القرآن العظيم.
وأما حظ التجربة: فوالله الذي لا إله إلاّ هو، ما رأيت - وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب - أعظم إلانة للقلب، واستدراراً للدمع، وإحضارا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن.
عود إلى تتميم الكلام على التحذير: