{يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا} أي: مما تشتهيه نفوسهم وتلذّه أعينهم {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} أي: ممَّا لا يخطر على بالهم ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت .
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ} [36]
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم} أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش {مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} أي: قوة ، كعاد وفرعون وثمود {فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ} أي: فضربوا فيها وساروا وطافوا أقاصيها . قال امرؤ القيس:
لقد نقَّبتُ في الآفاق حتى رَضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ
{هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي: هل كان لهم - بتنقيبهم في البلاد - بطشاً عن الهلاك الذي وُعِدوا به لتكذيبهم الحق . والضمير على هذا في {نَقَّبُوا} للقرن الذين هم أشد بطشاً ، وجوز عوده لهؤلاء المشركين ، أي: ساروا في أسفارهم في بلاد القرون ، فهل رأوا لهم محيصاً حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم ؟ .
قال ابن جرير: وقرأت القراء قوله {فَنَقَّبُوا} بالتشديد وفتح القاف ، على وجه الخبر عنهم . وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: فنقِبوا بكسر القاف ، على وجه التهديد والوعيد ، أي: طوِّفوا في البلاد وترددوا فيها ، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم .
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [37]
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في إهلاك القرون التي أُهلِكت من قبل قريش {لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: لتذكرة يتذكر بها من كان له عقل من هذه الأمة ، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم ، خوفاً من أن يحلَّ بهم مثل الذي حلَّ بهم من العذاب .
{أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي: أصغى للأخبار - عن هذه القرون التي أهلِكت - بسمعه .