تفريع على ما سبق في هذه السورة من تكذيب المشركين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بجعلهم القرآن مفترى واستهزائهم به وبما جاء به من البعث ابتداء من قوله: {وإذا تُتْلَى عليهم آياتنا بيّنات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين} [الأحقاف: 7] ، وما اتصل به من ضَرْب المَثل لهم بعاد.
فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما لقيه منهم من أذى ، وضرب له المثل بالرسل أولي العزم.
ويجوز أن تكون الفاء فصيحة.
والتقدير: فإذا علمت ما كان من الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا.
وأولوا العزم: أصحاب العزم ، أي المتصفون به.
والعزم: نية محققة على عمل أو قول دون تردد.
قال تعالى: {فإذا عزمت فتوكّل على الله} [آل عمران: 159] وقال: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] .
وقال سعد بن ناشب من شعراء الحماسة يعني نفسه:
إذا هَمَّ ألقَى بين عينيه عزمه...
ونكَّب عن ذكر العواقب جانباً
والعزم المحمود في الدين: العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة ، وقوامه الصبر على المكروه وباعث التقوى ، وقوته شدة المراقبة بأن لا يتهاون المؤمن عن محاسبته نفسه قال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] وقال: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبلُ فنسي ولم نجد له عزماً} [طه: 115] .
وهذا قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف ، وعلى هذا تكون {مِن} في قوله: {من الرسل} تبعيضية.
وعن ابن عباس أنه قال: كل الرسل أولو عزم ، وعليه تكون {مِن} بيانية.
وهذه الآية اقتضت أن محمداً صلى الله عليه وسلم من أولي العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل أمر ربه ، فصبره مثيل لصبرهم ، ومَن صَبَرَ صَبْرَهم كان منهم لا محالة.