وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُمُ اسْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُرْسِلَهُمْ إِلَى آخَرِينَ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَكَانِهِمْ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَعْلَمْ بِمَكَانِهِمْ فِي حَالِ اسْتِمَاعِهِمْ لِلْقُرْآنٍ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَأَرْسَلَهُمْ رُسُلًا حِينَئِذٍ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صُرِفُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِنِّ لِقَوْمِهِمْ لَمَّا انْصَرَفُوا إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَا قَوْمَنَا} مِنَ الْجِنِّ {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ} كِتَابِ {مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}
يَقُولُ: يُصَدِّقُ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ
وَقَوْلُهُ: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ}
يَقُولُ: يُرْشِدُ إِلَى الصَّوَابِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا فِيهِ لِلَّهِ رِضًا {وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ}
يَقُولُ: وَإِلَى طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ:"مَا أَسْرَعَ مَا عَقَلَ الْقَوْمُ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ صُرِفُوا إِلَيْهِ مِنْ نِينَوَى"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ مِنَ الْجِنِّ {يَا قَوْمَنَا} مِنَ الْجِنِّ {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} قَالُوا: أَجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا إِلَى مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ {وَآمِنُوا بِهِ}