وأما المؤمن الذي يجزي بحسناته في الدنيا والآخرة معاً ، فلم يذهب طيباته في الدنيا ، لأن حسناته مدخرة له في الآخرة ، مع أن الله تعالى يثيبه بها في الدنيا كما قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثواباً في الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة.
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة ، وعلى كل حال فالله جل وعلا أباح لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم الطيبات في الحياة الدنيا ، وأجاز لهم التمتع بها ، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة ، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة} [الأعراف: 32] .
فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الزرق في الحياة الدنيا لم مينعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة ، وهو صريح فِي أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.
ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة ، يكون لهم أجر زائد على ذلك ، لأن المؤمنين يؤجرون ، بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد ، كما هو معلوم.
والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا ، لأنه يجزي فِي الدنيا فقط كالآيات المذكورة ، وحديث أنس المذكور عند مسلم ، قد قدمناها موضحة فِي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} [الإسراء: 19] وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون} أي عذاب الهوان وهو الذل والصغار.