وتحذيرا من هذا الخلاف توعدهم الله بقضائه الحاسم وحكمه العادل يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين في الدنيا.
3 -وبما أن الأمر المختلف فيه عقيدة وشريعة لا يصلح للبقاء والاستمرار، أوصى الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلّم وأمته والبشرية كلها باتباع شريعة القرآن. والشريعة:
ما شرع الله لعباده من أمر الدين. وتلك الشريعة منهاج واضح يؤدي إلى الحق والسعادة والنجاة في الآخرة، لأنها تتضمن أوامر الله ونواهيه وحدوده وفرائضه الثابتة ثبوتا قطعيا لا شك فيه، أما ما قبلها فلم يقم دليل واحد على صحة ما يتناقله أهلها منها، أو ثبوته ثبوتا صحيحا من عند الله تعالى، لضياع
التوراة، وكتابة الإنجيل كتابة متأخرة عن تاريخ نزوله على السيد المسيح عليه السلام. فإن فرض ثبوت شيء من شرائع من قبلنا، فلا خلاف في أن الله تعالى جعل الشريعة واحدة في أصولها في التوحيد ومكارم الأخلاق ومصالح الناس، وإنما خالف بينها في الفروع الجزئية لا في الأصول حسبما تقتضي المصلحة في علم الله تعالى.
4 -قال ابن العربي المالكي الذي يرى كغيره من المالكية أن شرع من قبلنا شرع لنا: ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه الآية: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، لأن الله تعالى أفراد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأمته في هذه الآية بشريعة، ولا ننكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء، هل يلزم اتباعه أم لا؟ ولا إشكال في لزوم ذلك.
5 -إن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على قلب نبيه براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام، بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل في سائر الآيات روحا وحياة، وهو هدى من الضلالة، ورشد وطريق يؤدي إلى الجنة، ورحمة من العذاب في الآخرة لمن آمن واتقى.
جعلنا الله تعالى من القائمين بشرعه، المهتدين بهديه، المخلصين في اتباع أمره ونهيه، الظافرين بفضل الله ورحمته في الآخرة والدنيا. انتهى انتهى {التفسير المنير، للزحيلي. 25/} ...