لكن روي ما يدل على أن القصة المذكورة وقعت بالمدينة ، فإن لم يحمل على التعدد ، وإلا فهو مشكل جداً . والله المستعان . انتهى .
وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان على هذا معنيين:
أحدهما - أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ، ويرتفع الغبار الكثير ، ويظلم الهواء . وذلك يشبه الدخان ولهذا يقال لسنة المجاعة: الغبراء .
ثانيهما - أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان ، فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان . والسبب فيه أن الْإِنْسَاْن إذا اشتد خوفه أو ضعفه ، أظلمت عيناه ، فيرى الدنيا كالمملوءة من الدخان . انتهى .
وقال الشهاب: الظاهر أن هذه التسمية استعارة ؛ لأن الدخان مما يتأذى به ، فأطلق على كل مؤذٍ يشبهه ، أو على ما يلزمه ، ولذا قيل:
تُرِيْدُ مُهَذَّباً لَاْ عَيْبَ فِيْهِ وَهَلْ عَوْدٌ يَفُوْحُ بِلَاْ دُخَاْنِ
الوجه الثاني في الآية - أنه دخان يظهر في العالم ، وهو إحدى علامات القيامة ، ولم يأت بعد ، وهو آت وهو قول حذيفة . ويروى عن عليّ وابن عباس وجمع من التابعين . قال الرازي: واحتج القائلون بهذا القول بوجوه:
الأول - أن قوله: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ} يقتضي وجود دخان تأتي به السماء . وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع ، فذاك ليس بدخان أتت به السماء . فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه ، عدولاً عن الظاهر ، لا لدليل منفصل ، وإنه لا يجوز .
الثاني - أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبيناً ، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم ، ومثل هذا لا يوصف بكونه دخاناً مبيناً .
والثالث - أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس . وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم ، والحالة التي ذكرتموها لا تغشي الناس إلا على سبيل المجاز . وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل .