الرابع - ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدّه الدخان من الآيات المنتظرة . أما القائلون بالقول الأول ، فلا شك أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز ، وذلك لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع ، والقوم لم يذكروا ذلك الدليل ، فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلاً جداً . فإن قالوا: الدليل على أن المراد ما ذكرناه أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} وهذا ، إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة ، استقام . فإنه نقل أن التقحط لما اشتد ، بمكة مشى إليه أبو سفيان , وناشده بالله وبالرحم ، ووعده أنه إن لهم وأزال الله عنهم تلك البلية ، أن يؤمنوا به . فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم .
أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة ، لم يصح ذلك ؛ لأن عند ظهور علامات القيامة . لا يمكنهم أن يقولوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} ولم يصح أيضاً أن يقال لهم: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} والجواب: لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جارياً مجرى ظهور سائر علامات القيامة ، في أنه لا يوجب انقطاع التكليف ، فتحدث هذه الحالة . ثم إن الناس يخافون جداً فيتضرعون . فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق ، وإذا كان هذا محتملاً ، فقد سقط ما قالوه ، والله أعلم . انتهى كلام الرازي .