وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ الْقِرْدِ بِحَسَنَةٍ، وَلَكِنَّهَا مُتْقَنَةٌ مُحْكَمَةٌ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ (أَحْسَنَ كُلَّ شيء خَلَقَهُ) قَالَ: أَتْقَنَهُ.
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وتعالى: (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) [طه: 50] أَيْ لَمْ يَخْلُقِ الْإِنْسَانَ عَلَى خَلْقِ الْبَهِيمَةِ، وَلَا خَلَقَ الْبَهِيمَةَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ.
وَيَجُوزُ: (خَلْقُهُ) بِالرَّفْعِ، عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ خَلْقُهُ.
وَقِيلَ: هُوَ عُمُومٌ فِي اللَّفْظِ خُصُوصٌ فِي الْمَعْنَى، والمعنى: حسن خلق كل شيء حَسَنٍ.
وَقِيلَ: هُوَ عُمُومٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، أي جعل كل شيء خَلَقَهُ حَسَنًا، حَتَّى جَعَلَ الْكَلْبَ فِي خَلْقِهِ حَسَنًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي اسْتِ الْقِرْدِ حَسَنَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ) يَعْنِي آدَمَ.
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)
قَالَ الزَّجَّاجُ: (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) ضعيف.
وَقَالَ غَيْرُهُ: (مَهِينٍ) لَا خَطَرَ لَهُ عِنْدَ الناس.
(ثُمَّ سَوَّاهُ) رَجَعَ إِلَى آدَمَ، أَيْ سَوَّى خَلْقَهُ (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ فَقَالَ: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) وَقِيلَ: ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَاءَ الْمَهِينَ خَلْقًا مُعْتَدِلًا، وَرَكَّبَ فِيهِ الرُّوحَ وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ وَخَلْقِهِ كَمَا أَضَافَ الْعَبْدَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (عَبْدِي) .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأَنَّ الرُّوحَ فِي جِنْسِ الرِّيحِ.
(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(11)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)
(مَلَكُ الْمَوْتِ) وَاسْمُهُ عِزْرَائِيلُ وَمَعْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي (الْبَقَرَةِ) .
وَتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِخَلْقِهِ وَاخْتِرَاعِهِ.