ثم أكد ما سلف بقوله: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى بالحشر والجنة والنار والثواب والعقاب، والوعد: يكون في الخير والشر، بخلاف الوعيد، فإنه في الشر خاصة، كما سيأتي. {حَقٌّ} ؛ أي: ثابت كائن لا محالة، ولا خلف فيه؛ أي: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق, لأن الله سبحانه قد وعد به، ولا خلف لوعده.
ثم حذرهم من شيئين فقال:
1 - {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} عن الآخرة، والمراد بالحياة الدنيا: زينتها وزخارفها وآمالها؛ أي: إذا عرفتم ما ذكروا وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول لكم: لا تخدعنكم زينة هذه الحياة القريبة الزوال ولذاتها عن الحياة الأخروية الأبدية، فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عقاب الله في ذلك اليوم، وفي"التأويلات النجمية": فلا تغرنكم بسلامتكم في الحال، وعن قريبٍ ستندمون في المآل. انتهى.
2 - {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ} ؛ أي: لا يخدعنكم {بِاللَّهِ} بإطماعكم في سعة رحمة الله وعظيم حلمه وعفوه الشيطان {الْغَرُورُ} ؛ أي: المبالغ في الغرور والخداع، بأن يرجيكم التوبة والمغفرة، فيجسركم على ارتكاب المعاصي، وينسيكم الرجوع إلى القبور، ويحملكم على الغفلة عن أحوال القيامة وأهوالها، فلا تتخذوا لها زادًا.
قال في"كشف الأسرار": الغرة بالله: حسن الظن به مع سوء العمل، وفي الخبر:"الكيس من وإن نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله المغفرة"، ونعم ما قيل:
إِنَّ السَّفِيْنَةَ لَا تَجْرِيْ عَلَى الْيَبَسِ
فلا بد من الأعمال الصالحة، فإن بها النجاة، وبها يلتحق الأواخر الأوائل.
ففي الآية حسم لمادة الطمع في الانتفاع بالغير من إهمال الإِسلام أو الطاعات، اعتمادًا على صلاح الغير، فإن يوم القيامة يوم عظيم، لا ينفع فيه من له اتصال الولادة، فما ظنك بما سواها، ويشتغل كل أحد بنفسه، إلا من رحمة الله تعالى، وعن كعب الأحبار: تقول امرأة من هذه الأمة لولدها يوم القيامة يا ولدي، أما كان لك بطني وعاءً، وحجري وطاءً، وثديي سقاءً، فاحمل عني واحدًا فقد أثقلتني ذنونبي، فيقول: هيهات يا أماه، كل نفس بما كسبت رهينة، فإذا حملت عنك فمن يحمل عني.