وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب: {فلا تغرنكم} بالنون الخفيفة وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة {الغرور} بالضم، وهو مصدر، والجمهور: بالفتح، صيغة مبالغة، ويمكن حمل قراءة الضم عليه مبالغة في جعل الشيطان نفس المصدر، على حد زيد عدل.
فائدة: قال بعضهم: لا ينبغي للمؤمن أن يتطير ويعد نفسه من الأشقياء، فيتكاسل في العمل، بل ينبغي له أن يحسن الظن بالله تعالى، ويجاهد في طريقه، فإن للاعتقاد تأثيرًا بليغًا، وقد وعد الله سبحانه، ووعد الشيطان، ووعد الله تعالى صدق محض؛ لأنه هو الولي، ووعد الشيطان كذب محض, لأنه هو العدو، فالإصغاء لكلام الولي خير من استماع كلام العدو، فلا تغتر بتغرير الشيطان والنفس، ولا بالحياة الدنيا، فإن دولتها ذاهبة، وزينتها زائلة، وليس لها لأحدٍ وفاء.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا على أفضل الأعمال، الذي هو التوحيد، وذكر رب العرش المجيد، ويجعلنا في جنات تجري من تحتها الأنهار، ويشرفنا بجوار المصطفى المختار، مع آله الأخيار، وصحابته الأبرار، عليه وعليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.
34 -ثم ذكر سبحانه خمسة أشياء، لا يعلمها إلا هو، فقال:
1 - {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عِنْدَهُ عِلْمُ} وقت قيام {السَّاعَةِ} ؛ أي: لا عند غيره، قال الفراء: إن معنى هذا الكلام النفي؛ أي: ما يعلمه أحد إلا الله عز وجل، والساعة: جزء من أجزاء الجديدين، سميت بها القيامة؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا؛ أي: عنده تعالى علم وقت قيام الساعة، وما يتبعه من الأحوال والأهوال، وهو متفرد بعلمه، فلا يعلمه أحد سواه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، كما قال: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} فلا يدري أحد من الناس في أي سنة، وفي أي شهر، وفي أي ساعة من ساعات الليل والنهار تقوم القيامة.
2 - {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} في وقته المقدر له، ومكانه المعين في علمه تعالى، والفلكيون وإن علموا الخسوف والكسوف ونزول الأمطار بالأدلة، فليس ذلك غيبًا، بل بأماراتٍ وأدلةٍ تدخل في مقدور الإنسان، ولا سيما أن بعضها قد يكون أحيانًا في مرتبة الظن، لا في مرتبة اليقين.