والولد ولو كان يقع على القريب والبعيد؛ أي: ولد الولد، لكن الإضافة تشير إلى الصلبي القريب، فإذا لم يدفع عما هو ألصق به .. لم يقدر أن يدفع عن غيره بالطريق الأولى، ففيه قطع لأطماع أهل الغرور، والمفتخرين بالآباء والأجداد، المعتمدين على شفاعتهم من غير أن يكون بينهم جهة جامعة، من الإيمان والعمل الصالح.
{وَلَا مَوْلُودٌ} للشخص بلا واسطة، فلا يطلق إلا على ولد الصلب، بخلاف الولد فإنه يطلق على ولد الولد كما في"الكشاف"، {هُوَ جَازٍ} ؛ أي: دافع أو قاض أو حامل {عَنْ وَالِدِهِ} بلا واسطة {شَيْئًا} من العذاب أو من الحقوق أو من الذنوب، وخص الولد والوالد بالذكر تنبيهًا على غيرهما، والمولود: خاص بالصلبي الأقرب كما مر، فإذا لم يقبل شفاعته للأب الأول الذي ولد منه .. لم يقبل لمن فوقه من الأجداد، وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، ولقطع طمع من توقع من المؤمنين: أيشفع أباه الكافر في الآخرة، ولذا قالوا: إن هذا الخبر خاص بالكفار، فإن أولاد المؤمنين وآباءهم ينفع بعضهم بعضًا، قال تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ؛ أي: بشرط الإيمان.
قيل معنى هذا الكلام: أن الله سبحانه ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة، وهما الوالد والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة .. فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ولا يهتم بقريب ولا بعيد، كما قال ابن عباس: كل امرئ تهمه نفسه.
ومعنى الآية: أي يا أيها المشركون من قريش وغيرهم، اتقوا الله وخافوا أن يحل بكم سخطه، في يوم لا يغني والد عن ولده، ولا مولود هو مغن عن والده شيئًا؛ لأن الأمور كلها بيد من لا يغالب، ومن لا تنفع عنده الشفاعة، ولا الوسائل التي تنفع في الدنيا، بل لا تجدي عنده إلا وسيلة واحدة، هي العمل الصالح الذي قدمه المرء في حياته الأولى.