{ومن الناس من يشتري لهو الحديث} .. يشتريه بماله ويشتريه بوقته ، ويشتريه بحياته. يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص ، يفني فيه عمره المحدود ، الذي لا يعاد ولا يعود ، يشتري هذا اللهو {ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً} فهو جاهل محجوب ، لا يتصرف عن علم ، ولا يرمي عن حكمة ؛ وهو سيِّئ النية والغاية ، يريد ليضل عن سبيل الله. يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة. وهو سيِّئ الأدب يتخذ سبيل الله هزواً ، ويسخر من المنهج الذي رسمه الله للحياة وللناس.
ومن ثم يعالج القرآن هذا الفريق بالمهانة والتهديد قبل أن يكمل رسم الصورة: {أولئك لهم عذاب مهين} .. ووصف العذاب بأنه مهين مقصود هنا للرد على سوء الأدب والاستهزاء بمنهج الله وسبيله القويم.
ثم يمضي في استكمال صورة ذلك الفريق: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها} وهو مشهد فيه حركة ترسم هيئة المستكبر المعرض المستهين. ومن ثم يعالجه بوخزة مهينة تدعو إلى تحقير هذه الهيئة: {كأن في أذنيه وقرا} وكأن هذا الثقل في أذنيه يحجبه عن سماع آيات الله الكريمة ، وإلا فما يسمعها إنسان له سمع ثم يعرض عنها هذا الإعراض الذميم. ويتمم هذه الإشارة المحقرة بتهكم ملحوظ: {فبشره بعذاب أليم} فما البشارة في هذا الموضوع إلا نوع من التهكم المهين ؛ يليق بالمتكبرين المستهزئين!
وبمناسبة الحديث عن جزاء الكافرين المستكبرين المعرضين يتحدث عن جزاء المؤمنين العاملين ، الذين تحدث عنهم في صدر السورة ؛ ويفصل شيئاً من أمر فلاحهم الذي أجمله هناك:
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم ، خالدين فيها وعد الله حقاً ، وهو العزيز الحكيم} ..