وقد كان النضر بن الحارث يشتري الكتب المحتوية لأساطير الفرس وقصص أبطالهم وحروبهم؛ ثم يجلس في طريق الذاهبين لسماع القرآن من رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - محاولا أن يجذبهم إلى سماع تلك الأساطير والاستغناء بها عن قصص القرآن الكريم. ولكن النص أعم من هذا الحادث الخاص إذا صح أنه وارد فيه. وهو يصوّر فريقا من الناس واضح السمات، قائما في كل حين. وقد كان قائما على عهد الدعوة الأولى في الوسط المكي الذي نزلت فيه هذه الآيات.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ .. يشتريه بماله ويشتريه بوقته،
ويشتريه بحياته. يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص، يفني عمره المحدود، الذي لا يعاد ولا يعود، يشتري هذا اللهو لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً فهو جاهل محجوب، لا يتصرف عن علم، ولا يرمي عن حكمة؛ وهو سيئ النية والغاية، يريد ليضل عن سبيل الله. يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة. وهو سيئ الأدب يتخذ سبيل الله هزوا، ويسخر من المنهج الذي رسمه الله للحياة وللناس. ومن ثمّ يعالج القرآن هذا الفريق بالمهانة والتهديد قبل أن يكمل رسم الصورة: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ .. ووصف العذاب بأنه مهين مقصود هنا للرد على سوء الأدب والاستهزاء بمنهج الله وسبيله القويم).
أقول: وعلى كل حال فقد فهمنا أن للهو الحديث صلة في الإضلال عن سبيل الله سواء كان لهو الحديث غناء أو سمرا بباطل، أو سمرا بكفر، وسواء تمثّل ذلك بقصيدة، أو ديوان شعر، أو قصة، أو غير ذلك، ولا شك أن الذي يبذل جهدا أو مالا لإشاعة ذلك بقصد الإضلال أو الصدّ عن سبيل الله فإنه ممن يضل عن سبيل الله. انتهى انتهى {الأساس في التفسير} ...