وربما يقال: إنه حينئذ قربة كالحداء وهو ما يقال خلف الإبل من زجر وغيره إذا كان منشطاً لسير هو قربة لأن وسيلة القربة قربة اتفاقاً فيقال: لم نقف على خبر في اشتمال حلق الذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا على عهد خلفائه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وهم أحرص الناس على القرب على هذا الغناء ولا على سائر أنواعه وصحت أحاديث في الحداء ولذا أطلق جمع القول بندبه وكونهم نشطين بدون ذلك لا يمنع أن يكون فيهم من يزيده ذلك نشاطاً فلو كان لذلك قربة لفعلوه ولو مرة ولم ينقل أنهم فعلوه أصلاً ، على أنه لا يبعدأن يقال: إنه يشوش على الذاكرين ولا يتم لهم معه تدبر معنى الذكر وتصوره وهو بدون ذلك لا ثواب فيه بالإجماع ، ولعل ما يفعل على المنائر مما يسمونه تمجيداً منتظم عند الجهلة في سلك وسائل القرب بل يعده أكثرهم قربة من حيث ذاته وهو لعمري عند العالم بمعزل عن ذلك ، وإن كان لحاجة مرض تعين شفاؤه به فلا شك في جوازه والاكباب على المباح منه يخرم المروءة كاتخاذه حرفة ، وقول الرافعي: لا يخرمها إذا لاق به رده الزركشي بأن الشافعي نص على رد شهادته وجرى عليه أصحابه ونها حرفة دنية ويعد فاعلها في العرف ممن لا حياء له ، وعن الحسن أن رجلاً قال له: ما تقول في الغناء؟ قال: نعم الشيء الغناء يوصل به الرحم وينفس به عن المكروب ويفعل فيه المعروف قال: إنما أعني الشد ، قال: وما الشد أتعرف منه شيئاً؟ قال: نعم قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه فقال الحسن: ما كنت أرى أن عاقلاً يبلغ من نفسه ما أرى ، واختلفوا في تعاطي خارم المروءة على أوجه.
ثالثها إن تعلقت به شهادة حرم وإلا فلا.