وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى {والله يعلم المفسد من المصلح} في سورة البقرة (220) .
والمعنى: أتأتون الذكران مخالفين جميع العالمين من الأنواع التي فيها ذكور وإناث فإنها لا يوجد فيها ما يأتي الذكور.
فهذا تنبيه على أن هذا الفعل الفظيع مخالف للفطرة لا يقع من الحيوان العُجْم فهو عمل ابتدعوه ما فعله غيرهم ، ونحوه قوله تعالى في الآية الأخرى {إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} [العنكبوت: 28] .
والمراد بالأزواج: الإناث من نوع ، وإطلاق اسم الأزواج عليهن مجاز مرسل بعلاقة الأول ، ففي هذا المجاز تعريض بأنه يرجو ارعِوَاءهم.
وفي قوله: {ما خلق لكم ربكم} إيماء إلى الاستدلال بالصلاحية الفطرية لعمَلٍ على بطلان عمل يضاده ، لأنه مناف للفطرة.
فهو من تغيير الشيطان وإفساده لسنة الخلق والتكوين ، قال تعالى حكاية عنه {ولآمُرنَّهم فَليُغَيِّرُن خَلْق الله} [النساء: 119] .
و {بل} لإضراب الانتقال من مقام الموعظة والاستدلال إلى مقام الذم تغليظاً للإنكار بعد لينه لأن شرف الرسالة يقتضي الإعلان بتغيير المنكر والأخذ بأصرح مراتب الإعلان فإنه إن استطاع بلسانه غليظ الإنكار لا ينزل منه إلى لَيِّنه وأنه يبتدئ باللين فإن لم ينفع انتقل منه إلى ما هو أشد ولذلك انتقل لوط من قوله: {أتأتون الذكران} إلى قوله: {بل أنتم قوم عادون} .
وفي الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: {أنتم قوم عادون} دون أن يقول: بل كنتم عادين ، مبالغة في تحقيق نسبة العدوان إليهم.
وفي جعل الخبر {قوم عادون} دون اقتصار على {عَادون} تنبيه على أن العدوان سجية فيهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164) .