نقول: فلان فتيٌّ يعني: قويٌّ بذاته ، وأفتاه فلان أي: أعطاه القوة ، كأنه كان ضعيفاً في حُكم من أحكام الشرع ، فذهب إلى المفتي فأفتاه يعني: أعطاه فتوة في أمر الدين . مثل قولنا: غَنيَ فلان أي: بذاته ، وأغناه أي: غيره ، كما يقول سبحانه: {وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 74] .
إذن: فمهمة المفتي أن يُقوِّي عقيدتي ، لا أن يسرف لي في أمر من أمور الدين ، أو يُهوِّن عليَّ ما حرّم الله فيُجرِّئني عليه ، وعلى المفتي أن يتحرَّى الدقة في فتواه خاصة في المسائل الخلافية التي يقول البعض بحلِّها ، والبعض بحرمتها ، يقف عند هذه المسائل وينظر فيها رأي الإسلام المتمثل في الحديث الشريف:
"الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مُشْتبهات ، فمن ترك ما شُبِّه له لا من فعل ما شُبِّه له يعني على الأقل نترك ما فيه شبهة فقد استبرأ لدينه إن كان متديناً وعِرْضه إن لم يكُنْ متديناً".
إذن: مَنْ لم يقف هذا الموقف ويترك ما فيه شبهة لم يستبرئ لدينه ولا لعِرْضه . ومَنْ لم يُفْتِ على هذا الأساس من العلماء فإنما يُضعِف أمر الدين لا يُقوِّيه ، وبدل أن نقول: أفتاه . نقول: أضعفه .
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)
فوصف المسرفين بأنهم مفسدون في الأرض غير مصلحين ، كأن الأرض خلقها الخالق عز وجل على هيئة الصلاح في كل شيء ، لكن يفسدها الإنسان بتدخلّه في أمورها ؛ لذلك سبق أن قلنا: إنك لو نظرتَ إلى الكون من حولك لوجدته على أحسن حال ، وفي منتهى الاستقامة ، طالما لا تتناوله يد الإنسان ، فإنْ تدخّل الإنسان في شيء ظهرتْ فيه علامات الفساد .
ولا يعني هذا ألاَّ يتدخل الإنسان في الكون ، لا إنما يتدخل على منهج مَنْ خَلقَ فيزيد الصالح صلاحاً ، أو على الأقل يتركه على صلاحه لا يفسده ، فإن تدخَّل على غير هذا المنهج فلا بُدَّ له أن يفسد .