وكانت البشرية تتصور الرسول خلقا آخر غير البشر. أو هكذا ينبغي أن يكون ما دام يأتي إليها بخير السماء ، وخبر الغيب ، وخبر العالم المحجوب عن البشر .. ذلك أنها ما كانت تدرك سر هذا الإنسان الذي كرمه اللّه به ، وهو أنه موهوب القدرة على الاتصال بالملأ الأعلى وهو على هذه الأرض مقيم. يأكل وينام ويتزوج ويمشي في الأسواق. ويعالج ما يعالجه سائر البشر من المشاعر والنوازع ، وهو متصل بذلك السر العظيم.
وكانت البشرية جيلا بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقا مرسل من اللّه: «فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» .. وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة ، فاستجاب اللّه لعبده صالح ، وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة لا نخوض في وصفها كما خاض المفسرون القدامى ، لأنه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف. فنكتفي بأنها كانت خارقة كما طلبت ثمود.
«قالَ: هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ» ..
لقد جاءهم بالناقة ، على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم ، لا يجورون عليها في يومها ، ولا تجور عليهم في يومهم ، ولا يختلط شرابها بشرابهم ، كما لا يختلط يومها بيومهم. ولقد حذرهم أن ينالوها بسوء على الإطلاق ، وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم.
فماذا فعلت الآية الخارقة بالقوم المتعنتين؟ إنها لم تسكب الإيمان في القلوب الجافة ولم تطلع النور في الأرواح المظلمة. على الرغم من قهرها لهم وتحديهم بها. وإنهم لم يحفظوا عهدهم ، ولم يوفوا بشرطهم:
«فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ» .
والعقر: النحر. والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير. ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع ، وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم.