وأما قوله: (ويقال: هيهات ما قلت وهيهات لما قلت، فمن قال هيهات ما قلت فمعناه البعد ما قلت ومن قال لما قلت فمعناه البعد لقولك) فقد ذكرنا أن هيهات لا يجوز أن يكون كالبعد وأنه اسم سمي به الفعل فإجازته في هيهات ما قلت على أنه البعد ليس بجائز وإنما ما قلت يرتفع بهيهات كما يرتفع ببعد، أما إجازته هيهات لما قلت فإنما قاسه على قوله {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} وليس قولك مبتدئًا: (هيهات لما قلت) مثل الآية، لأن التي في الآية فيها ضمير كما أعلمتك ولا ضمير فيها مبتدأ. فبان أن قولك: (هيهات لما قلت) ليس كما قاسه عليه؛ لأنه حال من ضمير الفاعل، فإن قال: هيهات لقولك، وكانا في هيهات كما في الآية جاز وإلا امتنع.
وقوله: (فأما من نون هيهات فجعلها نكرة ويكون المعنى: بعدًا لما قلت منه اختلاف) . قيل: إنه إذا نُوَّن كان نكرة، ووجه هذا القول أن هذه التنوين في الأصوات إنما تُثْبت علمًا للتنكير وتحذف علمًا للتعريف، كقولهم: عَاقِ وعاقٍ، وإيه وإيهٍ، ونحو ذلك، فجائز أن يكون المراد بهيهات إذا نون التنكير.
وقيل: إنه إذا نون أيضًا كان معرفة كما كان قبل التنوين كذلك، وذلك أن التنوين في (مسلمات) ونحوه نظير النون في (مسلمين) ، فهي إذا ثبتت لم تدل على التنكير كما تدل عليه في (عاق) ؛ لأنه بمنزلة ما لا يدل على تنكير ولا تعريف، فهو على تعريفه الذي كان عليه قبل دخول التنوين، إذ ليس التنوين فيه كالذي في (عاق) . قال أبو العباس في هذا الوجه: هو قول قوي. انتهى كلام أبي علي.
وحصل في معنى هيهات ثلاثة أقوال:
أحدهما. أنه بمنزلة الصفة كقولك بعيد. وهو قول الفراء.
والثاني: أنه بمنزلة البُعد. وهو قول الزجاج وابن الأنباري.
والثالث: أنه بمنزلة بَعُدَ. وهو قول أبي علي وغيره من حذاق النحويين.
فهو إذن على هذه الأقوال تكون بمنزلة الصفة والمصدر والفعل.
وفيه لغات: فتح التاء بلا تنوين.