خطوات فتنتهي إلى دير النصراني: حُصين عليه سور من حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد ، وفي جوف هذا الدير عين ماء عذب ، وعلى هذه العين درابزين من نحاس لئلا يسقط في العين أحد ، وقد هيئ براتج رصاص يجري فيها الماء إلى كروم لهم حول الدير ، ويقال: إن هذا الدير هو الموضع الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار في الشجرة العليق ، وقبلة من بها دبر الكعبة ، وفيه يقول القائل:
عجب الطور من ثباتك موسى ...
حين ناجاك بالكلام الجليل
والطور من جملة كور مصر ، منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة أيام ، ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام - انتهى كلام ابن القاص ، وسألت أنا من له خبرة بالجبل المذكور: هل به أشجار الزيتون؟ فأخبرني أنه لم ير به شيئاً منها ، وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض ، وهي كثيرة وزيتونها مع كبره أطيب من غيره ، فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به ، لأنه لعلوه أبرد مما سفل من الأرض ، فهو بها أولى ، وظهر لي - والله أعلم - أن حكمة تقدير الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد الأول لمكان الإبقاء الأول ، وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو الإيجاد الأول ، وكلم موسى عليه الصلاة والسلام ، وكتب له الألواح في هذا الجبل ، ثم أتم له التوراة وهي أعظم الكتب بعد القرآن ، وبالكتب السماوية والشرائع الربانية انتظام البقاء الأول ، كما سلف في الفاتحة والأنعام والكهف.