ويدلك على ذَلِك أَنَّك تَجِد جَمِيع الْحَوَامِل والحبالى فِي الشَّهْر الثَّامِن أَسْوَأ حَالا وأثقل مِنْهُنَّ فِي مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذَا الشَّهْر وَبعده وأحوال الْأُمَّهَات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة.
(فصل)
وبكاء الطِّفْل سَاعَة وِلَادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وَإِذا وضع الطِّفْل يَده أَو إبهامه أَو إصبعه على عُضْو من أَعْضَائِهِ فَهُوَ دَلِيل على ألم ذَلِك الْعُضْو وكل الْحَيَوَان بالطبع يُشِير إِلَى مَا يؤلمه من بدنه إِمَّا بِيَدِهِ أَو بفمه أَو بِرَأْسِهِ أَو بِذَنبِهِ فَلَمَّا كَانَ الطِّفْل عادما للنطق أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ أَو يَده إِلَى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم.
(فصل)
فِي أَن الْأَطْفَال وهم حمل فِي الرَّحِم أقوى مِنْهُم بعد ولادهم وأصبر وَأَشد احْتِمَالا لما يعرض لَهُم وَكَذَلِكَ تكون الْعِنَايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أَشد فَإِن أَغْصَان الشَّجَرَة وفروعها مَا دَامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بهَا لَا تكَاد الرِّيَاح العواصف تزعزعها وَلَا تقتلعها فَإِذا فصلت عَنْهَا وغرست فِي مَوَاضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إِلَيْهَا بِأَدْنَى ريح تهب حَتَّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الْجَنِين مَا دَامَ فِي الرَّحِم فَهُوَ يقوى ويصبر على مَا يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على مَا لَا يصبر على الْيَسِير مِنْهُ بعد وِلَادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وَكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنْهَا وَأثبت بعد قطعهَا مِنْهَا
وَلما كَانَ مُفَارقَة كل مُعْتَاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الِانْتِقَال دفْعَة وَاحِدَة فالجنين عِنْد مُفَارقَته للرحم ينْتَقل عَمَّا قد أَلفه واعتاده فِي جَمِيع أَحْوَاله دفْعَة وَاحِدَة وَشدَّة ذَلِك الِانْتِقَال عَلَيْهِ أَكثر من شدَّة الِانْتِقَال بالتدريج
وَلذَلِك قَالَ بقراط قد يعلم بِأَهْوَن سعي وأيسره أَن التَّدْبِير الرَّدِيء من الْمطعم وَالْمشْرَب إِذا كَانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أَمر وَاحِد يشبه بعضه بَعْضًا دَائِما فَهُوَ أوثق وأحرز وَأبْعد عَن الْخطر فِي التمَاس الصِّحَّة للأبدان من أَن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة وَاحِدَة إِلَى غذَاء أفضل مِنْهُ فالجنين ينْتَقل عَمَّا أَلفه واعتاده فِي غذائه وتنفسه ومداخله وَمَا يكتنفه وهلة وَاحِدَة