(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21) .
فإنما ضرب لكَ الأمثالَ لتتفكرَ فيها وتعتبرَ بِها وتزدجرَ عن معاصِي اللهِ عز
وجل ، وأنتَ يا ابنَ آدمَ أحقُّ أن تخشعَ لذكرِ اللَّهِ وما حَمَّلكَ من كتابِهِ وآتاكَ من حكمِهِ ، لأنَّ عليكَ الحسابَ ولكَ الجنةُ أو النارُ.
وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يستعيذُ باللَّهِ من قلبٍ لا يخشعُ ، كما في"صحيح مسلم"عن زيدِ بنِ أرقمَ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقولُ:
"اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينفعُ ، ومن قلبٍ لا يخشعُ ، ومن نفسٍ لا تشبعُ ، ومن دعوة لا يُستجابُ لَها".
وقد رُويَ نحوُه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ متعددةٍ
ويُروى عن كعبٍ الأحبار قالَ: مكتوبٌ في الإنجيلٍ:
"يا عيسى ، قلبٌ لا يخشعُ عملُه لا ينفعُ ، وصوتُه لا يُسمعُ ، ودعاؤُه لا يُرفعُ".
قال أسدُ بنُ موسى في كتابِ"الورع": حدثنا مُباركُ بنُ فَضالةَ قالَ: كان
الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى - يقولُ: إن المؤمنينَ لَمَّا جاءتْهُم هذه الدعوةُ من
اللَّه صدَّقوا بها وأفْضَى يقينُها إلى قلوبِهِم خشعتْ لذلكَ قلوبُهم وأبدانُهم
وأبصارُهم ، كنتَ واللَّهِ إذا رأيتَهم رأيتَ قومًا كأنَّهم رَأيُ عينٍ ، فواللهِ ؛ ما
كانُوا بأهلِ جدلٍ ولا باطلٍ ، ولا اطمأنُّوا إلا إلى كتابِ اللَّه ، ولا أظهُروا ما
ليسَ في قلوبِهم ، ولكنْ جاءَهُم عن اللَّهِ أمرٌ فصدَّقوا به ، فَنَعَتهُم اللَّهُ تعالى
في القرآنِ أحسنَ نعتٍ فقال:
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) .
قال الحسنُ: الهونُ في كلامِ العربِ ، اللينُ والسكينةُ والوقارُ.
قال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) .