وقال ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ - رحمه اللَّه تعالى - في قولهِ تعالى:
(وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال: متواضِعينَ.
وقد وصَف اللَّهُ تعالى في كتابِهِ الأرضَ بالخشوع فقالَ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) ، فاهتزازُهَا
وربوُّها - وهو ارتفاعُها - مُزيلٌ لخشوعِهَا ، فدَلَّ على أنَّ الخشوعَ الذي كانتْ عليه هو سكونُها وانخفاضُها.
وكذلك القلبُ إذا خَشَعَ فإنَّه يَسْكُنُ خواطرُهُ وإرادتُه الرديئةُ التي تنشأُ عن
اتِّباع الهَوى ، وينكسرُ ويخضعُ للَّه عز وجل ، فيزول بذلك ما كانَ فيه من
البَأْوِ والترفع والتعاظُم والتكبُّرِ ، ومتى سكَنَ ذلكَ في القلبِ خشعتِ
الأعضاءُ والجوارحُ والحركاتُ كلُّها حتى الصَّوتُ.
وقد وصفَ اللَّهُ تعالَى الأصواتَ بالخشوع في قوله:(وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ
لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا)، فخشوعُ الأصواتِ هو سكونُها
وانخفاضُها بعد ارتفاعِهَا.
وكذلكَ وصفَ وجوهَ الكُفارِ وأبصارَهم في يومِ القيامةِ بالخشوع ، فدل
ذلك على دخولِ الخشوع في هذه الأعضاءِ كلِّها.
ومتى تكلَّف الإنسانُ تعَاطي الخشوع في جوارحِهِ وأطرافِه مع فراغ قلبهِ من
الخشوع وخُلوه منه كانَ ذلك خشوعَ نفاقٍ ، وهو الذي كانَ السلف يستعيذونَ منه ، كما قالَ بعضُهم: استعيذوا باللَّهِ من خشوع النفاقِ.
قالوا: وما خشوعُ النفاقِ ؟
قال: أن يُرى الجسَدُ خاشعًا والقلبُ ليس بخاشع.
ونظر عمُر - رضي الله عنه - إلى شابٍّ قد نكسَ رأسَه ، فقالَ له: يا هذا ، ارفعْ
رأسكَ ، فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلبِ.
فمن أظهَر للناسِ خشوعًا فوقَ ما في قلبِهِ فإنَّما هو نفاقٌ على نفاقٍ.
وأصلُ الخشوع الحاصلُ في القلبِ ، إنَّما هوَ من معرفةِ اللَّه ، ومعرفةِ