وهذا سؤل من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه ، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له ، فقال الله جلّ ذكره: {قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا ، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه.
{فَنَسِيتَهَا} . أي فتركتها ، أي: أعرضت عنها ، ولم تؤمن بها .
{وكذلك اليوم تنسى} .
أي: كما نيست آياتنا في الدنيا ، ولم تؤمن بها ، كذلك تترك اليوم في النار.
وقال قتادة: {وكذلك اليوم تنسى} أي: تنسى من الخير ، ولم تنسى من الشر.
ثم قال: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ} .
أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه ، ولم يؤمن برسله وكتبه ، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ {وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى} . أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر"وأبقى"أي: أدوم.
ثم قال: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون} .
أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية ، يمشرون في مساكنهم وآثارهم ، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا ، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بفكرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم ، فيكون"كم"فاعلة ليهد على هذا التقدير ، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت ."ويهد"بمعنى ، يبين ، وشاهد هذا التقدير أن في حرف/ ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع"من".
وقيل:"كم"استفهام ، فلا يعمل ما قبلها فيها ، وهي في موضع نصب
ب"أهلكنا". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين ، لا يعمل ما قبل"كم"فيها خبراً كانت أو استفهاماً ، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها ، كأي في الاستفهام.
وكانت قريش تسافر إلى الشام ، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم ، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا.