وَنَصَبَ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ بِهِ مَنْ {مَتَّعْنَا بِهِ} كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهِ الشَّرِيفَ الْكَرِيمَ، فَنُصِبَ الشَّرِيفُ الْكَرِيمُ عَلَى فِعْلِ مَرَرْتَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} تُنْصَبُ عَلَى الْفِعْلِ بِمَعْنَى: مَتَّعْنَاهُمْ بِهِ زَهْرَةً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَةً لَهُمْ فِيهَا، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ بَنِي فَقْعَسٍ أَنْشَدَهُ:
[البحر الطويل]
أَبَعْدَ الَّذِي بِالسَّفْحِ سَفْحِ كَوَاكِبٍ ... رَهِينَةَ رَمْسٍ مِنْ تُرَابٍ وَجَنْدَلِ
فَنَصَبَ رَهِينَةَ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ قَوْلِهِ: «أَبَعْدَ الَّذِي بِالسَّفْحِ» ، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ أَضْعَفُ فِي الْعَمَلِ نَصْبًا مِنْ قَوْلِهِ: {مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الِاسْمِ وَهُوَ رَهِينَةَ، حَرْفٌ خَافِضٌ لَا نَاصِبٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَأْمُرْ} يَا مُحَمَّدُ {أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}
يَقُولُ: وَاصْطَبِرْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، وَأَدَائِهَا بِحُدُودِهَا أَنْتَ.
{لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا}
يَقُولُ: لَا نَسْأَلُكُ مَالًا، بَلْ نُكَلِّفُكَ عَمَلًا بِبَدَنِكَ، نُؤْتِيكَ عَلَيْهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} . يَقُولُ: نَحْنُ نُعْطِيكَ الْمَالَ وَنُكْسِبُكَهُ، وَلَا نَسْأَلُكَهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}
يَقُولُ: وَالْعَاقِبَةُ الصَّالِحَةُ مِنْ عَمِلِ كُلِّ عَامِلٍ لِأَهْلِ التَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ دُونَ مَنْ لَا يَخَافُ لَهُ عِقَابًا، وَلَا يَرْجُو لَهُ ثَوَابًا.