99 -و {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} الكاف: صفة لمصدر محذوف تقديره؛ أي: نقص عليك يا محمد ونخبر لك {مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ} ؛ أي: من أخبار الأمور الماضية، والأمم الدارجة، قصصًا مثل قص قصة موسى عليك فيما مر، تسليةً لك وزيادةً في علمك، ودلالةً على صدقك، وتذكيرًا للمستبصرين من أمتك، والقص: تتبع الأثر، والقصص: الأخبار المتتبَّعة، و {مِنْ} مفعول {نَقُصُّ} بالاعتبار مضمونه، والنبأ: خبر ذو فائدةٍ عظيمةِ، يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي فيه نبأ: أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر وخبر الله تعالى وخبر النبي - عليه السلام - .
والمعنى: نقص عليك يا محمد بعض الحوادث الماضية الجارية على الأمم السالفة، مثل ذلك القص البديع الذي سمعت، لا قصًا ناقصًا عنه، تبصرةً لك، وتوفيرًا لعلمك، وتكثيرًا لمعجزاتك، وتنبيهًا للمعتبرين من أمتك.
والحاصل: أن الله - سبحانه وتعالى - يخاطب نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويبين له أنه كما قص عليه خبر موسى، وما جرى له مع فرعون وجهوده، على هذا الأسلوب الرائع، والمسلك البديع، يقص عليه أخبار الحوادث التي جرت عليه الأمم الخالية، ليكون له ذلك سلوةً، ليتأسى بالأنبياء السالفين وما لاقوه من أممهم من شديد العناد، والجحود والتكذيب، ومكابدة الشدائد والأهوال {وَقَدْ آتَيْنَاكَ} يا محمد؛ أي: ولقد أعطيناك {مِنْ لَدُنَّا} ؛ أي: من عندنا {ذِكْرًا} ؛ أي: كتابًا شريفًا مطويًا على هذه الأقاصيص والأخبار، حقيقًا بالتذكر به، جديرًا بالتفكر فيه، والاعتبار به لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يعط نبي قبلك مثله، فهو جامع للأخبار، حاوٍ للأحكام التي فيها صلاح حال البشر في دينهم ودنياهم، مشتمل على مكارم الأخلاق وسامي الآداب التي بها يرتفع قدر الأمم، وينبه ذكرها، وفي"الكبير"في تسميته به وجوه:
الأول: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه في أمر دينهم ودنياهم.
والثاني: أن يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة.