ومن المفسرين من جعلها دعوة كلامية، حيث قال. إِن إِسرافيل يضع الصُّور في فمه ويقول: أَيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة، هلموا إلى العرض على الرحمن فيقبلون من كل صوب إِلى صوته ...
وأَخرج ابن أَبي حاتم عن محمد بن كعب القرظى قال: يحشر الله تعالى الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماءُ وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادى مناد فيتبع الناس صوته يؤُمونه، فذلك قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} .
وقال على بن عيسى: الداعى هو الرسول الذي كان يدعوهم إلى الله عز وجل: انتهى.
وأظهر الأقوال ما قلناه أَولا، من تفويض العلم بحقيقة هذه الدعوة وكيفيتها إلى العليم الخبير سبحانه وتعالى، ومعنى {لَا عِوَجَ} لا يعوَج للداعى مدْعوٌّ ولا عدول له عنه، وذلك مثل قولهم: لا عصيان له أي لا يعصى، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى: لا شك فيه.
{وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} :
أي وخفتت أَصوات الخلائق هيبة للرحمن، ورهبة من الموقف الرهيب، فلا تسمع من أحد من أهل الموقف إِلا صوتًا خفيفا خافتا يصدر من فمه.
وفي إحدى الروايات عن ابن عباس أن المراد من الهمس هنا خفق الأقدام، وبمثله قال عكرمة وابن جبير والحسن، واختاره الزجاج والفراءُ، ومنه قول الشاعر: وهنّ يمشين بنا همسا.
والمعنى على هذا: سكتت أصواتهم وانقطعت كلماتهم، فلا نسمع منهم إلا خفق أقدامهم وهم يمشون إلى المحشر، والخطاب في قوله {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} لكل من له سمع يستمع به.
109 - {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} :
أَي يومئذ يدعوهم داعى الرحمن إِلى المحشر للحساب، فيستجيبون له خاشعين، لا تنفع الشفاعة أحدا من أفراد الأُمم، إلا من أذن الرحمن بالشفاعة لأجله من بينهم، ورضى له قول الشافع وأَذن له به.