والمعنى: ويسأَلك السائلون يا محمد عن حال الجبال يوم القيامة، أَتظل باقية على ما هي عليه، فقل مجيبا لهم، يجعلها الله كالرمل أَو التراب ثم يرسل عليها الريح فتذروها وتبعثرها. ولا تستعصى على من يقول للشئِ كن فيكون.
ولا يوجد في القرآن أَمر من الله للرسول مقرون بالفاء، يجيب به السائلين سوى ما هنا.
أَما ما عداه فبدون الفاءِ كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} وقوله سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الخ.
والسبب في هذا أَن الفاءَ للترتيب والتعقيب، وقد جئَ بها هنا للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل المشرك من بقاء الجبال تبعا لظنه عدم الحشر، أَو للمسارعة إلي تعليم السائل المؤمن حفظا لعقيدته مما يقوله المنكرون، وهذه خلاصة ما نقله الآلوسي عن الإِمام الرازى.
106، 107 - {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} :
أَي أَنه تعالى بعد أَن يزيل الجبال ويبعثرها، يترك أُصولها أَرضًا مستوية، كأنها مع غيرها صف واحد على سمت مستو متماثل، بحيث لا ترى في أُصول تلك الجبال المنسوفة انخفاضًا ولا نتوءًا بارزا والعِوج بكسر العين يستعمل في غير المستقيم حسيا ومعنويا أَما مفتوح العين فقاصر على الحسي غير المستقيم.
108 - {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ... } الآية.
أَي يومئذ ينسف ربي الجبال، يتبع الناس داعى الله عز وجل إِلى المحشر، وهذا الداعى هو إسرافيل، وظاهر ما جاءَ في القرآن أن هذه الدعوة هي النفخة الثانية في الصور قال تعالى في سورة الزمر: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } وهي المعنية بقوله في سورة يس: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) } والله أَعلم بحقيقة هذه الدعوة وكيفيتها.