وقوله: {لاَ عِوَجَ لَهُ} [طه: 108] لأننا نرى داعي الدنيا حين يُنادِي في جَمْع الناس ، يتجه يميناً ويتجه يساراً ، ويدور ليُسمع في كُلِّ الاتجاهات ، فإذا لم يَصِلْ صوته إلى كل الآذان استيعاباً يستعمل مُكبِّر الصوت مثلاً ، أما الداعي في الآخرة فليس له عوج هنا أو هناك ؛ لأنه يُسمِع الجميع ، ويصل صوته إلى كل الآذان ، دون انحراف أو ميْل .
ثم يقول تعالى: {وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} [طه: 108] هذا الهمْسُ الذي قال عنه في الآيات السابقة: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} [طه: 103] .
ونعرف أن كل تجمُّع كبير لا تستطيع أنْ تضبط فيه جَلبة الصوت ، فما بالك بجَمْع القيامة من لَدُنْ آدم عليه السلام حتى قيام الساعة ، ومع ذلك: {وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} [طه: 108] فلماذا كتمت هذه الأصوات التي طالما قالتْ ما تحب ، وطالما كان لها جلبة وضجيج؟
الموقف الآن مختلف ، والهَوْل عظيم ، لا يجرؤ أحد من الهَوْل على رَفْع صوته ، والجميع كُلٌّ منشغل بحاله ، مُفكّر فيما هو قادم عليه ، فإنْ تحدّثوا تحدّثوا سِرّاً ومخافتة: ماذا حدث؟ ماذا جرى؟
وكذلك نحن في أوقات الشدائد لا نستطيع الجهر بها ، كما حدث لما مات سعد زغلول رحمه الله وكان أحمد شوقي وقتها في لبنان ، فسمع الناسَ يتخافتون ، ويهمس بعضهم إلى بعض بأن سعداً قد مات ، ولا يجرؤ أحد أن يجهر بها لِهَوْل هذا الحادث على النفوس ، فقال شوقي:
يَطأُ الآذَانَ هَمْساَ والشِّفَاهَا ... قُلْتُ يا قَوْم اجمعُوا أحْلامكُمْ ... كُلُّ نَفْسٍ في وَريديْها رَدَاهَا
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة}