والشفاعة تقتضي مشفوعاً له وهو الإنسان . وشافعاً وهو الأعلى منزلةً ، ومشفوعاً عنده: والمشفوع عنده لا يسمح بالشفاعة هكذا ترتجلها من نفسك ، إنما لا بُدَّ أنْ يأذنَ لك بها ، وأنْ يضعَك في مقام ومرتبة الشفاعة ، وهذا شَرْط في الشافع .
وقوله تعالى: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109] هذه للمشفوع له ، أن يقول قولاً يرضي الله عنه وإنْ قصَّر في جهة أخرى وخَيْر ما يقوله العبد ويرضى عنه الله أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فهذه مَقُولة مَرْضيَّة عند الله ، وهي الأمل الذي يُتعلق به ، والبُشّْرى لأهل المعاصي ؛ لأنها كفيلة أن تُدخِلهم في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .
فإذا كان لديك خَصْلة سيئة ، أو نقطة ضعف في تاريخك تراها عقبةً فلا تيأس ، وانظر إلى زاوية أخرى في نفسك تكون أقوى ، فأكثِرْ بها الحسنات ، لأن الحسنات يُذهِبْن السيئات.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) }
معنى {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [طه: 110] ما أمامهم ، ويعلم ما خلفهم ، أما أنت فلا تحيط به عِلْماً ، ولا تعرف إلا ما يُخبرك به ، إلا أن تكون هناك مقدمات تستنبط منها ، لأن ما ستره الحق في الكون كثير ، منه ما جعل له مقدمات ، فمَنْ ألمَّ بهذه المقدمات يصل إليها .
ومع ذلك لا يقال له: عَلِم غيباً . إنما اكتشف غيباً بمقدمات أعطاها له الحق سبحانه وتعالى ، كما نعطي التلميذ تمريناً هندسياً ، ونذكر له المعطيات ، فيستدل بالمعطيات على المطلوب .
والكون ملئ بالأشياء والظواهر التي إنْ تأملناها وبحثْناها ولم نُعرِض عنها وجدنا فيها كثيراً من الأسرار ، فبالنظر في ظواهر الكون اكتشفوا عصر البخار ويسَّروا الحركة على الناس ، وبالنظر في ظواهر الكون اكتشف أرشميدس قانون الأجسام الطافية ، واكتشفوا البنسلين . . إلخ .