{فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ} : أَي فاجعل لاجتماعنا بك وعدًا أَو زمانًا موعودًا، لا يقع إخلافه منا ولا منك، وإِنما نلتزم جميعًا الوفاءَ به، واجعل موعدنا معك {مَكَانًا سُوًى} : أَي اجعله في مكان نَصَفٍ وعَدلٍ، تستوى مسافته بيننا وبينك، وبهذا قال كثير من أَهل التفسير. وأخرج ابن أبي حاتم عن أَبي زيد أَنه قال: {مَكَانًا سُوًى} أَي مكانًا مستويًا من الأرض، بحيث يرى فيه بعضنا بعضًا، ويرى كل المشاهدين ما يصدر منك ومن السحرة، وفيه إِظهار الجلادة وقوة الوثوق بالغلبة ما فيه.
واختار الآلوسي ذلك في تفسيره، وقال إنه حسن جدًا، وقد فوض فرعون إلى موسى عليه السلام أَمر الوعد الذي طلبه منه، مع إعلانه الوفاء به، ليثبت لنفسه أَنه متمكن من تهيئة أَسباب المعارضة، وإِعداد وسائل المغالبة طال الأَمر أَو قصر، قاصدًا إِلى إِرهاب موسى عليه السلام منه ومن سحرته، ولكنه عليه السلام فَوت عليه ما قصد إِليه، فأَسرع إلى الاستجابة إِلى طلبه بما حكاه الله عنه بقوله سبحانه:
59 - {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} :
أَي وقت وعدكم يوم الزينة، وهو يوم عيد لهم يجتمعون فيه ويمرحون، ويفاخرون ويزدانون فيه بأَنواع الزينة، أَو هو يوم سوق لهم يزِّينونه ويتزَينون له، وقيل غير ذلك.
وأياما كان المقصود به، فهو يوم معروف عندهم بأنه يوم اجتماع لهم وزينة، وبسبب ذلك اختاره موسى عليه السلام للاجتماع الذي طلبه فرعون، حتى يشهد العدد الكثير بطلان معارضة السحر لخوارق الآيات النبوية، ليكون انتصار الحق، وخذلان الباطل في يوم مشهود، ويشيع أَمره بين القاصي والدَّاني.
ولم يكتف موسى عليه السلام بتحديد ذلك، بل جعل إِبراز المعجزة في وقت يكثر فيه اجتماع الناس في ذلك اليوم حيث قال: