(فاضرب) أي اجعل (لهم طريقاً) وأشرعه، وقيل طريقاً مفعول به على سبيل المجاز بأن يكون المعنى اضرب البحر لينفلق لهم فيصير طريقاً لهم فعلى هذا تصح نسبة الضرب إلى الطريق؛ والمراد بالطريق جنسه، فإن الطرق كانت اثنتي عشرة بعدد أسباط بني إسرائيل (في البحر يبساً) أي يابساً وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق، ومرت عليه الصَّبا فجففته حتى لم يكن فيها ماء ولا طين قاله محمد بن كعب ومجاهد، وقرئ بسكون الباء مخففاً من يَبْساً المحرك وهو مصدر أو جمع يابس كصحب وصاحب وصف به الواحد مبالغة.
(ولا تخاف دركاً) أي آمناً من أن يدرككم العدوّ من ورائكم، والدرك اللحاق بهم من فرعون وجنوده، وبه قال ابن عباس قرأ الجمهور لا تخاف وهي أرجح لعدم الجزم في قوله سبحانه: (ولا تخشى) أي من فرعون أو من البحر أن يغرقك
(فأتبعهم فرعون بجنوده) اتبع هنا مطاوع اتبع يقال:
أتبعتهم إذا تبعتهم وذلك إذا سبقوك فلحقته، فالعنى تبعهم فرعون ومعه جنوده، وقيل الباء زائدة والأصل أتبعهم جنوده أي أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، وقرئ فاتبعهم بالتشديد أي لحقهم بجنوده وهو معهم، كما يقال ركب الأمير بسيفه أي معه سيفه وقيل سائقاً جنوده معه.
(فغشيهم من اليمِّ ما غشيهم) أي علاهم وأصابهم منه ما غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، وقال السمين: هذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي ما يقل لفظها ويكثر معناها، والتكرير للتعظيم والتهويل؛ كما في قوله: (الحاقة ما الحاقة) وقيل غشيهم ما سمعت قصته؛ وقال ابن الأنباري: غشيهم البعض الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل ماء البحر بل الذي غشيهم بعضه، فهذه العبارة للدلالة على الذي أغرقهم بعض الماء، والأول أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم.