أمّا إنْ كانت العداوة من جانب واحد ، فلربما تسامح غير العدو وخَجِل العدو فتكون المصالحة . والعداوة بين موسى وفرعون ينبغي أن تكونَ شرسة ؛ لأنها عداوة في قضية القِمَّة ، وهي التوحيد .
ولكن ، لماذا لم يُلفِت مجيء موسى على هذه الحالة انتباه فرعون فيسأل عن حكايته ويبحث في أمره؟ إنها إرادة الله التي لا يُعجِزها شيء ، فتحبه زوجة فرعون ، وتقول: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} [القصص: 9] ؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعدها: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} [طه: 39] .
فأحبته آسية امرأة فرعون لما رأته ، وأحبَّه فرعون لما رآه ، وهذه محبة من الله بلا سبب للمحبة ؛ لأن المحبة لها أسباب بين الناس ، فتحب شخصاً لأنك تودّه ، أو لأنه قريب لك أو صديق ، أو أسْدى لك معروفاً ، وقد يكون الحب من الله دون سبب من هذه الأسباب ، فلا سببَ له إلا إرادة الله .
فمعنى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} [طه: 39] وليس فيك ما يُوجب المحبة ، وليس لديك أسبابها ، خاصة وقد كان موسى عليه السلام أسمر اللون ، أجعد الشعر ، أقنى الأنف ، أكتف ، وكأن هذه الخِلْقة جاءت تمهيداً لهذه المحبة ، وإثباتاً لإرادة الله التي طوَّعَتْ فرعون لمحبة موسى ، كما قال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] .
وهكذا ، حوَّل الله قلب فرعون ، وأدخل فيه محبة موسى ليُمرِّر هذه المسألة على هذا المغفل الكبير ، فجعله يأخذ عدوه ويُربِّيه في بيته ، ولم يكن في موسى الوسامة والجمال الذي يجذب إليه القلوب .
ثم يقول سبحانه: {وَلِتُصْنَعَ على عيني} [طه: 39] أي: تُربَّى على عَيْن الله وفي رعايته ، وإنْ كان الواقع أنه يُربّى في بيت فرعون ، فالحق تبارك وتعالى يرعاه ، فإنْ تعرَّض لشيء في التربية تدخّل ربُّه عز وجل ليعلمه ويُربّيه .