كما أنك لو أمعنتَ النظر في قوله تعالى: {إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35] تجد (يقُولُ لَهُ) أي: للشيء ، فكأن الشيء موجود بالفعل ، موجود أزلاً ، فالأمر بكُنْ ليس لإيجاده من العدم ، بل لمجرد إظهاره في عالم الواقع .
ثم يقول: {وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ}
الرب: هو المتولّي للتربية والرعاية . والتربية تعني أن يأخذ المربِّي المربَّى بالرياضة إلى مَا يصلحه لأداء مهمته والقيام بها ، كما لو أردتَ مهندساً تُربّيه تربيه مهندس ، وإن أردت طبيباً تربية تربية طبيب . ونحن هنا أمام قوم أشركوا بالله ، ونحتاج لداعية يُخرِجهم من الشرك إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة .
فالمعنى: ما دام أن الله تعالى ربي وربكم ، والمتولّي لتربيتنا جميعاً ، فلا بُدَّ أن يُربّى لكم مَنْ يصلحكم ؛ لأنه تعالى لا يخاطبكم مباشرة ، بل سيبعثني إليكم أبلغكم رسالته ، وأدعوكم إلى عبادته وحده لا شريك له ، وما دام الله ربي وربكم فمن الواجب أنْ تُطيعوه {فاعبدوه} [مريم: 36] والعبادة أنْ يطيعَ العابدُ معبوده في أوامره وفي نواهيه . كما قال تعالى: {وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله} [البينة: 5] .
ثم يقول تعالى: {هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [مريم: 36] أي: الذي لا التواءَ فيه ولا اعوجاجَ ، وهو الطريق الذي يُوصِّلك لمقصودك من أقرب طريق ، وبأقلّ مجهود ، ومعلوم أن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين .
ثم يقول الحق سبحانه: {فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ}
الأحزاب: أي الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من قومه ، فمنهم مَنْ قال: هو إله ، ومنهم مَن قال: ابن إله . وآخر قال: هو ثالث ثلاثة . ومنهم مَنْ رماه بالسحر وقال عنه بعضهم: ابن زنى نستغفر الله مما يقوله الظالمون والكافرون .