والأحزاب: جمع حِزْب ، وهم طائفة من الناس اجتمعوا حول مبدأ من المبادئ ، ورأْي مَن الآراء يدافعون عنه ويعتقدونه ، ويسيرون في حياتهم على وفقه ، ويُخضِعون حركة حياتهم لخدمته .
ومعنى: {مِن بَيْنِهِمْ} [مريم: 37] يعني من داخل المؤمنين به ومن أتباع عيسى أنفسهم ، فالذين قالوا عنه هذه الأباطيل ليسو من أعدائه ، بل من المؤمنين به .
وهكذا اختلف القوم في أمر عيسى ، وكان لكل منهم رَأْي ، وجميعها مُنَافِية للصواب بعيدة عن الحقيقة ؛ لذلك توعّدهم الخالق سبحانه بقوله: {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] .
فقد قلتم في عيسى ما قُلْتم في الدنيا ، وخُضْتم فيه بما أحببتُمْ من القول ؛ لأن الله تعالى جعل إرادتكم نافذة على جوارحكم ، وأعطاكم حرية الفعل والاختيار ، فوجَّهتم جوارحكم واخترتم ما يُغضب الله ، فكأن عقوبة الدنيا لا تناسب ما فعلوه ، ولابُدَّ لهم من عقوبة آجلة في الآخرة تناسب ما حدث منهم في حَقِّ نبيهم وفي حَقِّ ربهم تبارك وتعالى .
{فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] ومشهد يوم عظيم هو يوم القيامة ، يوم تُبْلَى السرائر ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله .
وسماه المشهد العظيم ؛ لأنه يوم مشهود يشهده الجميع ؛ لأن العذاب في الدنيا مثلاً لا يشهده إلا الحاضرون المعاصرون ، ولا يشهده السابقون ولا اللاحقون ، أما عذاب الآخرة فهو المشهد العظيم الذي يراه كل الخَلْق .
وربما كان بعض العذاب أهونَ من رؤية الغير للإنسان وهو يُعذِّب ، فربما تحمَّل هو العذاب في نفسه أما كونه يُعذَّب على مرأىً من الناس جمعياً ، ويرونه في هذه المهانة وهذه الذلة وقد كان في الدنيا عظيماً أو جباراً أو عاتياً أو ظالماً ، لا شكَّ أن رؤيتهم له في هذه الحالة تكون أنكَى له وأبلغ .