فما دام الكون كله سبَّح لله ، ولم ينقطع عن تسبيحه ، بل ما زال مُسبِّحاً ، فلما خلق الخلق أمرهم بالتسبيح ؛ لأنهم جزء من منظومة الكون المسبّح ، وعليهم أنْ ينتظموا معه ، ولا يكونوا نشازاً في كون الله .
أما المصدر (سبحان) فقد جاء ليدل على التنزيه المطلق لله تعالى ، حتى قبل أن يخلق الخَلْق ، التنزيه ثابت له تعالى قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزِّهه كما في قوله تعالى:
{سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] .
لأن المسألة عجيبة وفوق إدراك العقل ، فقد جاء بالمصدر (سبحان) الدالّ على التنزيه المطلَق لله ، كأنه تعالى يُحذّر الذين يُحكِّمون عقولهم ، ولا يُحكِّمون قدرة الله الذي خلقهم بقانون الزمان والمكان والبُعْد والمسافة ، فكُلٌّ فعل يتناسب قوةً وقدرةً مع فاعله .
ثم يقول تعالى: {إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35] ذلك لأن الآية في خَلْق عيسى عليه السلام مخالفة للنواميس كلها ، وخارقة للعادة التي أَلِفها الناس ، فإياك أنْ تتعجب من فِعْل الله تعالى في يحيى ، حيث جاء به مع عطب الآلات ، أو تتعجب من خَلْق عيسى حيث جاء به مع نقص الآلات .
وإياك أنْ تتعَجَّب من كلام عيسى وهو في المهد صَبِياً ، فهي أمور نعم خارقة للعادة وللنواميس ، فخُذْها في إطار (سبحانه) وتنزيهاً له ؛ لأنه تعالى إذا أراد شيئاً لا يعالجه بعمل ومُزاولة ، وإنما يعالجه (بكُنْ) فيكون .
ولا تظن أن خَلْق الأشياء متوقف على هذا الأمر (كُنْ) ، فإن كان الفعل مُكوّناً من (كاف) و (نون) فقبل أن تنطق النون يكون الشيء موجوداً ، لكن (كُنْ) هو أقصر ما يمكن تصوِّره لنا ، والحق سبحانه يخاطبنا بما يُقرِّب هذه المسألة إلى عقولنا ، وإلا فإرادته سبحانه ليستْ في حاجة إلى قول (كُنْ) فما يريده الله يكون بمجرد إرادته .