وجملة {إذا قَضَى أمراً إنما يَقُولُ لهُ كُن فيَكُونُ} بيان لجملة {ما كان لله أن يتَّخِذ من ولدٍ} ، لإبطال شبهة النصارى إذ جعلوا تكوين إنسان بأمر التكوين عن غير سبب معتاد دليلاً على أن المكوّن ابن لله تعالى ، فأشارت الآية إلى أن هذا يقتضي أن تكون أصول الموجودات أبناء لله وإن كان ما يقتضيه لا يخرج عن الخضوع إلى أمر التكوين.
{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) }
يجوز أن يكون هذا بقيةً لكلام جرى على لسان عيسى تأييداً لبراءة أمّه وما بينهما اعتراض كما تقدم آنفاً.
والمعنى: تعميم ربوبية الله تعالى لكل الخلق.
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، ورويس عن يعقوب همزة {وأَنَّ} مفتوحة فخرجه الزمخشري أنه على تقدير لام التعليل ، فإن كان من كلام عيسى فهو تعليل لقوله {فاعبدوهُ} على أنه مقدّم من تأخير للاهتمام بالعِلّة لكونها مقررة للمعلول ومثبته له على أسلوب قوله تعالى: {وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً} [الجنّ: 18] ويكون قوله {فَاعبُدُوهُ} متفرعاً على قوله {إني عَبْدُ الله} [مريم: 30] بعد أن أُردف بما تعلّق به من أحوال نفسه.
ولما اشتمل مدخول لام التعليل على اسم الجلالة أضمر له فيما بعد.
وتقدير النظم هكذا: فاعبدوا الله لأنه ربّي وربكم.
ويجوز أن يكون عطفاً على قوله {بالصلاة والزكاة} [مريم: 31] ، أي وأوصاني بأنّ الله ربّي وربكم ، فيكون بحذف حرف الجر وهو مطرد مع (أنّ) .
ويجوز أن يكون معطوفاً على {الحَقّ} من قوله {قَولَ الحَقّ} [مريم: 34] على وجه جعل {قَولَ} بمعنى قائل ، أي قائل الحق وقائلُ إن الله ربّي وربّكم ، فإن همزة {أنَّ} يجوز فتحها وكسرها بعد مادة القول.