4 -وصف عيسى عليه السلام نفسه في كلامه المبين وهو طفل رضيع بصفات تسع، جمعت بين إثبات النبوة وإنزال الإنجيل عليه في المستقبل، وتبرئة أمه من تهمة الزنى، وإثبات عبوديته لله عز وجل، فهو عبد لله لا ربّ ولا إله، كما يعتقد النصارى، واتصافه بالبركات ومنافع الدين والدعوة إليه، واستقامة سلوكه وأخلاقه، فهو برّ بوالدته، ليس متعظما متكبرا، ولا عاصيا خائبا من الخير، ملتزما تشريع الله في العبادة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد بلوغه من التكليف.
5 -قوله تعالى: وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي جعلني برا بوالدتي يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن الآية تدل على أن كونه برا، إنما حصل بجعل الله وخلقه.
6 -قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر! أخبر عيسى عليه السلام بما قضي من أمره، وبما هو كائن إلى أن يموت.
7 -الإشارة بمنزلة الكلام وتدل على ما يدل عليه ويحدث بها الإفهام والفهم، كيف لا، وقد أخبر الله تعالى عن مريم، فقال: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ. وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس «بعثت أنا والساعة كهاتين» . وإجماع العقلاء على أن العيان أقوى من الخبر، دليل على أن الإشارة
قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام.
لذا قرر المالكية والشافعية جواز الاعتماد على الإشارة في المعاملات والعقوبات، وقد نص الإمام مالك على أن شهادة الأخرس مقبولة إذا فهمت إشارته، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة، وأما إذا كان الشخص قادرا على اللفظ، فلا بد من الكلام.
وذهب الحنفية وأحمد والأوزاعي وإسحاق إلى أنه لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة، فلم يكن قاذفا، ولا يتميز بالإشارة بالزنى من الوطء الحلال والشبهة، قالوا: واللعان عندنا شهادات، وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع.