ألم تر أن الله أوحى لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه ... إليها ولكن كل شيء له سبب
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً أي فكلي من ذلك الرطب، واشربي من ذلك الماء، وطيبي نفسا ولا تحزني وقرّي عينا برؤية الولد النبي، فإن الله قدير على صون سمعتك، والإرشاد إلى حقيقة أمرك. قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.
وروى ابن أبي حاتم
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء يلقّح غيرها» .
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً، فَقُولِي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا أي إن رأيت إنسانا يسألك عن أمرك وأمر ولدك، فأشيري له بأنك نذرت لله صوما عن الكلام، أي صمتا، بألا أكلم أحدا من الإنس، بل أكلم الملائكة، وأناجي الخالق.
والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم، يحرم عليهم الطعام والكلام، قال ابن زيد والسدّي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الكلام.
وليس الصوم عن الكلام مشروعا في الإسلام، روى ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان، فسلم أحدهما، ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلّم الناس، وسلّم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام، ليكون عذرا لها إذا سئلت.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -إن ألم المخاض ووجع الطلق أمر معتاد في أثناء الولادة، أشبه بالموت، فتحتاج المرأة حينئذ إلى عون ورعاية، ولم تجد السيدة مريم معينا لها غير جذع النخلة، فاستندت إليه وتعلقت به، كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق.
2 -يكون تمني الموت جائزا في مثل حال السيدة مريم، فإنها تمنت الموت من جهة الدّين لسببين:
أحدهما- أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير، فيفتنها ذلك.