يقال: سرو الرجل يسرو - كشرف يشرف - فهو سريّ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه قول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
أي: قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر، وهو ابنك عيسى، والجملة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهي بقوله: أَلَّا تَحْزَنِي قال بعض العلماء ما ملخصه: «وأظهر القولين عندي أن السرى في الآية النهر الصغير لأمرين:
أحدهما: القرينة من القرآن، لأن قوله بعد ذلك فَكُلِي وَاشْرَبِي قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.
الثاني: ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن السرى الذي قال الله لمريم: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا نهر أخرجه الله لها لتشرب منه» .
فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه».
وقوله - سبحانه -: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ. معطوف على ما قاله عيسى لأمه
مريم. والباء في قوله بِجِذْعِ مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه.
أي: وحركي نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً وهو ما نضج واستوى من الثمر جَنِيًّا أي: صالحا للأخذ والاجتناء فَكُلِي من ذلك الرطب وَاشْرَبِي من ذلك السرى، وَقَرِّي عَيْناً أي: طيبي نفسا بوجودى تحتك، واطردى عنك الأحزان.
يقال: قرت عين فلان، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته. مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه، ولم تنظر إلى غيره.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن مباشرة الأسباب في طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع في ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ويريده.
وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك، ورحم الله القائل: