فذلك قوله {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم إضافة إليه على التخصيص والتفضيل {فَتَمَثَّلَ} فتصور لها بشراً آدمياً سويّاً لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه ، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ، فلمّا رأته مريم {قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} مؤمنا مطيعاً.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية ، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إنْ كنت في الصلاح مثل التقي فإني أعوذ بالرحمن منك ، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ} أي يقول لأهب لك ، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولداً {غُلاَماً زَكِيّاً} صالحاً تقياً {قَالَتْ} مريم {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} ولم يقربني روح {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} فاجرة وإنما حُذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قال جبرئيل {كذلك} كما قلتِ يا مريم ولكن قال ربّك وقيل هكذا {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} خلْق ولد من غير أب {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً} علامة هذه {لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} لمن تبعه على دينه.
{وَكَانَ} ذلك {أَمْراً مَّقْضِيّاً} معدوداً مسطوراً في اللوح المحفوظ.
{فَحَمَلَتْهُ} وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته ، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخاً فوصل الريح إليها فحملت ، فلمّا حملت {فانتبذت} خرجت وانفردت {مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً من أهلها من وراء الجبل ، ويقال اقصى الدار.