وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي: صمتًا وسكونًا، وكذلك روى في بعض الحروف، وهو في حرف أبي، وقال: ثم قوله: (فَقُولي) ليس على القول نفسه، ولكنه إشارة، أشارت إليهم: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مُفْهِمَةٍ المراد تعمل عمل القول نفسه والكلام؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح، وكل عقد من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَقُولِي) هو على حقيقة القول، أي: أمرت أن تقولي: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) ، فكان نذرها الصوم للرحمن بعد هذا القول، وإلى هذا يذهب الحسن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ)
أي: بعيسى قومها تحمله: (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) .
قال أبو بكر الأصم: لقد فريت عظيمًا من الأمر، لكنه يخرج تأويل فريت من التقدير، يقال: فري، أي: قدر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لقد افتريت عظيمًا، وهو قذف صريح بالزنى، كقوله: (يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (شَيْئًا فَرِيًّا) كل قائم عجب، أو من عمل فهو فري، وهو هاهنا عجب فري، وهذا أقرب؛ إذ لا يجوز أن يحمل كلامهم على تصريح القذف وثم لتعريض القذف مساغ ووجه، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)
قَالَ بَعْضُهُمْ: كانت أخت هارون بن عمران أخي موسى، وعلى ذلك روى خبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإن ثبت فهو هو.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له: [هارون بن ماثان] ؛ لذلك نسبوها إليه فقالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) .