يريد عليه الصلاة والسلام أني لست ممن يُتوقّع منه ما توهّمتِ من الشر ، وإنما أنا رسولُ ربك الذي استعذتِ به {لأَهَبَ لَكِ غلاما} أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدِّرْع ، ويجوز أن يكون ذلك حكاية لقوله تعالى ويؤيده القراءة بالياء ، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتسليتِها والإشعارِ بعلة الحكم ، فإن هبةَ الغلامِ لها من أحكام تربيتها ، وفي بعض المصاحفِ أمرَني أن أهبَ لك غلاماً {زَكِيّاً} طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح.
{قَالَتْ أنى يَكُونُ لِى غلام} كما وصفت {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} أي والحال أنه لم يباشرْني بالنكاح رجلٌ ، وإنما قيل بشرٌ مبالغةً في بيان تنزُّهها من مبادئ الولادة {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} عطف على لم يمسَسْني داخلٌ معه في حكم الحالية مفصِحٌ عن كون المِساس عبارةً عن المباشرة بالنكاح أي ولم أكن فاجرةً تبغي الرجالَ ، وهي فَعولٌ بمعنى الفاعل أصلها بغُويٌ فأدغمت الواوُ بعد قلبها ياء في الياء وكسرت الغين للياء ، وقيل: هي فعيل بمعنى الفاعل ، وإلا لقيل: بَغُوٌّ كما يقال: فلان نَهُوٌّ عن المنكر ، وإنما لم تلحَقْه التاءُ لأنها من باب النسب كطالق أو بمعنى المفعول أي يبغيها الرجالُ للفجور بها.