فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى مِنَ الْغَابِرِينَ فَالظَّاهِرُ مَا حَكَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا آمِنِينَ إِتْيَانَ هَذَا الْعَذَابِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَكَانَ إِتْيَانُهُ إِيَّاهُمْ فَجْأَةً فِي وَقْتٍ لَا يَتَّسِعُ لِتَلَاقِيهِ وَتَدَارُكِهِ ، فَالِاسْتِفْهَامُ لَا يَظْهَرُ فِي شَأْنِهِمْ إِلَّا بِتَأَوُّلٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مِثْلِهِ فِي أَهْلِ الْقُرَى الْحَاضِرِينَ ، وَمَنْ سَيَكُونُ فِي حُكْمِهِمْ مِنَ الْآتِينَ ، وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَأْمَنُوا لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، فَإِنَّ وُجُودَ النِّعَمِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى دَوَامِهَا ، فَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ زَالَتْ بِكُفْرِ أَهْلِهَا ، وَهَذَا مَا كَانَ يَجْهَلُهُ الَّذِينَ قَالُوا: قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ، فَرَأَوْا صُورَةَ الْوَاقِعِ وَجَهِلُوا أَسْبَابَهُ ، وَأَمَّا الْحَاضِرُونَ فَلَا يُعْذَرُونَ بِالْجَهْلِ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهُمُ الْقُرْآنُ كُنْهَ الْأَمْرِ ، وَسُنَنَ اللهِ فِي الْخَلْقِ ، وَلَكِنَّ أَدْعِيَاءَ الْقُرْآنِ ، قَدْ صَارُوا أَجْهَلَ الْبَشَرِ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَيَدَّعِي بَعْضُهُمْ أَنَّ سَبَبَ جَهْلِهِمُ الِانْتِمَاءُ إِلَى دِينِ الْقُرْآنِ ؟ ! !
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ قَالَ الرَّاغِبُ: الْمَكْرُ: صَرْفُ الْغَيْرِ عَمَّا تَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ ، وَقَسَّمَهُ إِلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ ، وَأَصَحُّ مِنْهُ وَأَدَقُّ قَوْلُنَا فِي تَفْسِيرِ: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (3: 54) وَالْمَكْرُ فِي