والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء تارة.
وقوله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} . قال أبو عبيد: (قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره إذا كثر، يَعْفُو فهو عافٍ، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} يعني: كثروا، وفي بعض الحديث:(إذا عفا الوَبَر وبرأ الدبر حلت العمرة لمن اعتمر) .
ويقال للشعر إذا طال ووَفَى: عما ومنه قول زهير:
أَذَلكَ أم أَقَبُّ البَطْنِ جأبٌ ... عليه من عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ
وقد عَفَّيت الشيء وأعْفَيتهُ لغتان إذا كثرته ومنه قوله عليه السلام أنه:
"أمر أن تحفى الشوارب وتُعفي اللِّحى"، يعني: توفر وتكثر).
وقال ابن الأنباري:(يقال: عما الشيء: إذا زاد وكثر، وأنشد للبيد:
ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنهَا ... بأسْوُقِ عَافيَاتِ اللَّحْمِ كُوم
أراد: كثيرات اللحم)، فمعنى قوله: {حَتَّى عَفَوْا} أي: كثروا، في قول ابن عباس، ومجاهد والسدي وابن زيد.
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حتى كثروا فسمنوا، وكثرت أموالهم) . وروى عنه أيضاً: (حتى جموا) .
وقوله تعالى: {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} ، يعني: لما صاروا إلى الرخاء {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا} من الدهر الشدة والرخاء، وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ولم يقلعوا عن الكفر بما مسهم من الضراء، والله تعالى أخذهم بالضراء ليعتبروا ويقلعوا عن الكفر، وتكذيب الأنبياء فلم يعتبروا، وقالوا من غرّتهم وجهلهم: قد أصاب آباءنا في الدهر مثل ما أصابنا. وهذا معنى قول المفسرين في هذه الآية؛ قال ابن عباس: وهذا كما قال في سورة الأنعام: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} الآية [الأنعام: 44] .
وقوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} .