وروى البخاري في"الأدب المفرد"، والترمذي وحسنه، وآخرون، وصححه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"رَحِمَ اللهُ لُوْطًا؛ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيْدٍ - يَعْنِي اللهَ - عز وجل - فَمَا بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نبِيًّا إِلاَّ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ".
وليس في هذا الحديث حط من رتبة لوط عليه السلام، بل فيه تنزيل له في رتبته، فإن كل نبي فالله تعالى ركنه إلا أنهم متفاوتون؛ فمنهم أولو العزم من الرسل، وهؤلاء لا يبالون بالناس كثروا أم قلوا، وهم خمسة: محمد، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى عليهم السلام.
وأما غيرهم فلا يضرهم أن يأخذهم ما يأخذ البشر؛ فإن في طبع كل إنسان - وإن كمل يقينه وإيمانه - أن يستضعف نفسه إذا كان وحده
أو في جماعة عن عدوه إذا كان شديد العداوة شديد القوة، كثير العدد قوي العُدد.
ومن ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فَمَا بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نبِيًّا إِلاَّ فِيْ ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ".
والثروة كثرة العدد من الناس، وكذلك من المال.
الأمر الثاني: قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) } [سورة الشعراء: 169] فيه أوجه:
أحدها: أن يكون معناه: نجني وأهلي من شؤم عملهم وعذابه. وعليه اقتصر البيضاوي، وذلك لأن النجاة بمعنى الخلاص، فلو أراد الخلاص من نفس أعمالهم لأشعر بصدور شيء منها أو من أهله، وهم براء من ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون (نجني) مضمنًا معنى: أجنبني، وقِني.
وعليه: فالمعنى أن لوطًا عليه السلام سأل من ربه أن يجنبه وأهله، ويطهرهم من الوقوع في هذا العمل، وذلك لا يناقض عصمة الأنبياء - عليهم السلام - لأنهم لا يأمنون مكر الله.
والوجه الثالث: أن يكون معناه: نجني من مشاهدة أعمالهم الخبيثة؛ فإنهم كانوا يتظاهرون بها فعلاً وحكاية، وذلك لأن لوطًا - عليه السلام - ما كان يمكنه المهاجرة عنهم، ولا الخروج من بين
أظهرهم لأنه مأمور بدعوتهم، فطلب النجاة مما هو فيه بما شاءه الله تعالى.