يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِ لُوطٍ لِلُوطٍ إِذْ وَبَّخَهُمْ عَلَى فِعْلِهِمُ الْقَبِيحِ وَرُكُوبِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ الْخَبِيثِ إِلَّا أَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَخْرِجُوا لُوطًا وَأَهْلَهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: أَخْرِجُوهُمْ، فَجَمَعَ، وَقَدْ جَرَى قَبْلُ ذِكْرُ لُوطٍ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا جُمِعَ بِمَعْنَى: أَخْرِجُوا لُوطًا وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ لُوطٍ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَنْ ذِكْرِ أَتْبَاعِهِ، ثُمَّ جَمَعَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، كَمَا قِيلَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} ، يَقُولُ: إِنَّ لُوطًا وَمَنْ تَبِعَهُ أُنَاسٌ يَتَنَزَّهُونَ عَمَّا نَفْعَلُهُ نَحْنُ مِنْ إِتْيَانِ الرِّجَالِ فِي الْأَدْبَارِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «يَتَطَهَّرُونَ مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ»
عَنِ السُّدِّيِّ: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} ، قَالَ: «يَتَحَرَّجُونَ»
عَنْ قَتَادَةَ: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} ، يَقُولُ: «عَابُوهُمْ بِغَيْرِ عَيْبٍ، وَذَمُّوهُمْ بِغَيْرِ ذَمٍّ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا أَبَى قَوْمُ لُوطٍ مَعَ تَوْبِيخِ لُوطٍ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا يَأْتُونَ مِنَ
الْفَاحِشَةِ، وَإِبْلَاغِهِ إِيَّاهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، إِلَّا التَّمَادِيَ فِي غَيِّهِمْ، أَنْجَيْنَا لُوطًا وَأَهْلَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إِلَّا امْرَأَتَهُ فَإِنَّهَا كَانَتْ لِلُوطٍ خَائِنَةً وَبِاللَّهِ كَافِرَةً.
وَقَوْلُهُ: {مِنَ الْغَابِرِينَ}
يَقُولُ: مِنَ الْبَاقِينَ. وَقِيلَ (مِنَ الْغَابِرِينَ) وَلَمْ يَقُلْ: (الْغَابِرَاتِ) ، لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا مِمَّنْ بَقِيَ مَعَ الرِّجَالِ، فَلَمَّا ضَمَّ ذِكْرَهَا إِلَى ذِكْرِ الرِّجَالِ قِيلَ مِنَ الْغَابِرِينَ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ: غَبَرَ يَغْبُرُ غُبُورًا وَغَبْرًا، وَذَلِكَ إِذَا بَقِيَ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
[البحر السريع]
عَضَّ بِمَا أَبْقَى الْمَوَاسِي لَهُ ... مِنْ أُمِّهِ فِي الزَّمَنِ الْغَابِرِ
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الكامل]